الجمعة، 20 مايو 2016

** .. ارهابي .. ** // بقلم : المنجي حسين بنخليفة – تونس - // مجلة ~ غيتارة القلم الذهبي

ارهابي
بقلم : المنجي حسين بنخليفة – تونس -
من خلف السّتار، مدّ رأسه قليلا، لعلّه يراقب كيف يتحرّك الناس بلا خوف، بلا قيد. الشارع أمام البناية التي يسكنها ممتلئ بالوجوه العابرة، إلى أين تذهب يا ترى كلّ هذه الوجوه؟ قال في نفسه: أكلّ هذا الخلق لهم في الحياة مشاغل؟ ألا يخافون من النهايات؟ يكاد يخنقه انتظار الخاتمة، فكلّ نهاية ميلاد جديد لرحلة مؤلمة. هذا الشّيب رفع شراعه في سواد الشعر منذ سنين، وانحنى ظهره بحمل تباشير فجر جديد، عقد حلمه بأيّام ستأتي، وهي مازالتْ في رحم الوجود... تذكّر حين رمى القيدُ بمعصميه خلف ظهره، كانت تمرّ الثواني عليه قرونا، و الآلام تسكن في كل ذرّة في هيكل الجسد المتهالك، يحاول الضوء التسرّب من تحت عصابة سوداء تحاول كتم شهيق العيون، هي خناجر تقطّع ما بقى من روحه المتناثرة ، كلّ لحظة تمرّ تبشّر بلحظة قادمة، محمّلة بكل أصناف العذاب. فهم ليس لديهم وقت للزيارة، فكل أبواب الزنازين تُشّرَعُ أمامهم، ليسحلوا من اختارته اللحظات العاثرة. تذكّر كيف كان يمسكه اثنان ، يد في معصمه، ويد تحت إبطه، يُجرُّ فيفقد وزنه، يفقد كل الأحاسيس التي كان يتلذّذ بها قبل دخوله وكر اللحظات القاتلة، يفقد صفاء روحه الحالمة، يفقد بعض الحروف من اسمه، يفقد أسماء من أحبّهم وأحبّوه...
كأن زوّار الليل قادمون من خارج كوكبنا المسالم، فهؤلاء الحرّاس لهم أياد نحتتْ من قسوة الصخر، ووجوه فقدت كلّ بريق للحياة، وعيون حمر خبأتْ تحت الجفون أتون من لهيب. لو قلت لهم يوما سلاما، لطموا وجهك ، و سقوك من حميم الكلمات...لو صرخت، لو تألمت، لو تأوّهت تحت سياطهم، ما رفّ قلبهم بمشاعر وحّدت كلّ البشر، كأنّي من قبل ميلادي عدوّ لهم ، كأنّي قد سرقتُ الابتسامة من شفاه أطفالهم، كأنّي قد هدمتُ قراهم فوق رؤوس نسائهم و رجالهم، وحرقتُ الزرع ، و الأشجار، و أزهار الفرح...حمل جسدي المحكوم عليه بالعذاب شطحاتهم شيطانية، كلّ ركن فيه طعنة، وحرقة، و ركلة ...صار بلون الشفق، فَقَدَ كلّ احساس البشر ، إلا احساس الألم، والأرق.
قال المحقق: اعترف، أنت ارهابي
قلت: يا سيدي ، قد ظننتُ الشعر حين أبذره في عقول الناس، أعلمهم كلّ أصناف الهوى، و أريهم كلّ دروب العاشقين. يا سيدي هل تراني لو قرأتُ الشعر في آذان أحبابي و أصحابي، وطربوا على نغمات حروفي، صرت في نظركم ارهابي؟؟
لو هِمْتُ عشقًا ببلادٍ أرضعتني بهواها ألف عام، تمسح كلّ جراحي حين أبكي، وتعلمني كيف أمدّ يدي ليد خالفتني بسلام، أصبح في نظركم ارهابي ؟؟
صرخ المحقق: نعم أنت ارهابي.
وإذا بأياد نُحتتْ من الصخر تسحله لظلام أبدي.
سحب رأسه من خلف الستار، انزوى في ركن بيته، نسيَ كلّ قصائده، و أحلامه الموءودة قبل الولادة، بحث في روحه لم يجد سوى جرح نازف. و معاني شرّدوها بعدما كانت تغنّي على ضفاف بحيرات القصيدة.
2016-05-19

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق